السيد محمد حسين الطهراني
34
معرفة الإمام
وأسمحهم خلقاً ، وأبعدهم عن الكِبر ، وأعرفهم بحقّ . وكانت حاله هذه في كلا زمانيه : زمان خلافته ، والزمان الذي قبله . لم تغيّره الإمرة ولا أحالت خُلُقَه الرئاسة . وكيف تحيل الرئاسة خُلُقَه وما زال رئيساً ! وكيف تغيّر الإمرة سجيّته وما برح أميراً ! لم يستفد بالخلافة شرفاً ، ولا اكتسب بها زينة ، بل هو كما قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل . ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن الجَوزيّ في تاريخه المعروف « بالمنتظم » : تذاكروا عند أحمد بن حنبل خلافة أبي بكر وعليّ ، وقالوا فأكثروا ، فرفع رأسه إليهم ، وقال : قد أكثرتم ! أنّ عَلِيّاً لَمْ تَزِنْهُ الْخِلافَةُ ؛ وَلَكِنَّهُ زَانَها . وهذا الكلام دالّ بفحواه ومفهومه على أنّ غيره ازدان بالخلافة وتمّمت نقيصته ، وأنّ عليّاً عليه السلام لم يكن فيه نقص يحتاج إلى أن يتمّم بالخلافة ؛ وكانت الخلافة ذات نقص في نفسها فتمّ نقصها بولايته إيّاها . ومنها : أنّ الغالب على ذوي الشجاعة وقتل الأنفس وإراقة الدماء أن يكونوا قليلي الصفح ، بعيدي العفو ، لأنّ أكبادهم واغرة ، وقلوبهم ملتهبة ، والقوّة الغضبيّة عندهم شديدة ، وقد علمتَ حالَ أمير المؤمنين عليه السلام في كثرة إراقة الدم وما عنده من الحلم والصفح ، ومغالبة هوى النفس ، وقد رأيتَ فعله يوم الجمل « 1 » . ولقد أحسن « مهيار » في قوله :
--> ( 1 ) - عفا أمير المؤمنين عليه السلام عن عائشة ، ومع الحقد الشديد صصص كانت تكنّه في قلبها ضدّه ، فقد عفا عنها ، قال في « نهج البلاغة » : وأمّا فُلانة [ عائشة ] فأدركها رأي النساء . إلخ [ « نهج البلاغة » ج 1 ، ص 283 تعليق الشيخ محمّد عبدة ] وعفا عن مروان بن الحكم وصفح عنه أيضاً ، مع أنّه ذكر غدره ومكره عند عفوه عنه ، « نهج البلاغة » ج 1 ، ص 123 .